هشام جعيط

295

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

المصادر متضاربة وغامضة في الغالب ، لكنها تذكر رغم ذلك واقعا أساسيا في الموضوع ، هو تعدد نقط العبور الثابتة والقناطر العربية المبنية بمنطقة الكوفة وبهذا الصدد فإن الذي يهمنا هو الانطباع العام أكثر مما هو ضبط الأمور . قنطرة الكوفة ، وقنطرة زبارا ( سواء طابقت الأولى أم لا ) ، وقنطرة دير عبد الرحمن ، وقنطرة الحيرة : لقد جعل هذا التراكم من القنطرة عنصرا جوهريا في محيط الكوفة . وحين يأتي الوقت الذي ستحاط خلاله المدينة بخندق من الماء سوف تبرز القناطر المجهزة بالأبواب في كل مكان ، وسوف تطبع بوجودها منظر المدينة . الحمامات الداخلية والخارجية : ولم تكن مساهمة الحمامات أقل من ذلك في وسم المظهر الحضري ووتيرة الحياة في الكوفة كما في البصرة ، وبالتالي في كل مدينة إسلامية . كانت الحمامات موروثة عن الساسانيين ، ولعلهم اقتبسوها بدورهم من الحمامات الرومانية . وقد ظهرت الحمامات بعد مدة طويلة ، المدة اللازمة كي تدخل الممارسات التعبدية أعماق المجتمع وتندمج في الحياة اليومية ، وينسجم مجهود الابتكار والتنظيم مع احتياجات الكيان الاجتماعي ، وإلى أن استوعبت النماذج الخارجية للحضارة . وقد طابقت بالخصوص شعائر الوضوء . أقيمت الحمامات في ولاية زياد ، في البصرة كما في الكوفة ، مع بعض التضييقات . ويبدو أن زيادا فرض الحصول على الاذن مسبقا ، وحددها خارج محيط المدينة « 1 » . ثم تكاثرت بعد مدة في البصرة ، وأنشئت داخل المدينة خاصة ، هذه المدينة التي أتخمت ماء ، وتعددت فيها القنوات « 2 » . كان عدد الحمامات المعروفة بالكوفة خمسة منها حمامان كانا خارج المدينة ، في حين أن البلاذري ذكر أسماء أربعة عشر حماما في البصرة « 3 » . أقيم حمام عمرو بن حريث وحمام قطن بن عبد اللّه من جهة خطط الشمال ، لكن لا يمكن ضبط موقعهما أكثر من ذلك ، مع أن الحمام الثاني لم يكن على الأرجح بعيدا عن جبانة السبيع « 4 » ، وحدد موقع حمام المهبذان بوضوح في السبخة « 5 » حيث كان التزود بالماء متيسرا . وقد تزود الحمام الأول والحمام الثاني بالماء من نهر بني سليم « 6 » . أما الحمامات الموجودة خارج المدينة ، كحمام أعين وحمام عمر بن سعد ، فإنه ينبغي تحديدها بين رافدي الفرات « 7 » على طريق المدائن وخراسان .

--> ( 1 ) أنساب الأشراف ، ج 4 ( 1 ) ، ص 223 . ( 2 ) 120000 قناة حسب الإصطخري ونقل عنه الخبر الأفغاني : أسواق العرب ، ص 398 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 384 وما بعدها ؛ أنساب الأشراف قسم 4 ، ج 1 ، ص 205 حيث يرد ذكر لحمام بلج . ( 4 ) الطبري ، ج 6 ، ص 84 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 51 . ( 6 ) الطبري ، ج 3 ، ص 465 ؛ البراقي ، ص 120 . ( 7 ) لا سيما حمام عمر حيث قضى شبيب ليلة ، وكان يقع بين قصر ابن هبيرة وقبّين : الطبري ، ج 6 ، ص 236 .